azzaman
2005/04/08
... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

وليمة وحرير وعش عصافير - عبدالستار ناصر / قاص عراقي مقيم في عمان

وليمة وحرير وعش عصافير - عبدالستار ناصر / قاص عراقي مقيم في عمان
كل أديب في العالم يتمني لو أنه كتب عملاً سبقه إليه كاتب آخر، فهذا أناتول فرانس كان يرجو لو أنه ( هو) من كتب رواية ( الدون كيخوته) لثربانتس، و جان بول سارتر كان يتمني لو أنه كتب إلياذة هوميروس، و حنا مينه كان يعشق ( موبي ديك) و تمني أن يكون مؤلفها، و نجيب محفوظ في أول حوار معه كان يتمني لو أنه ( هو) الذي كتب ألف ليلة و ليلة، و هكذا مع أسماء و قامات أدبية معروفة، تراها تحلم لو أنها هي التي أبدعت نصوص قامات عملاقة سبقتها إلي ذاك المنجز العظيم. و يأخذني الظن إلي أن تيسير نظمي كان يتمني بدوره لو أنه ( إدغار ألن بو) أو ( فرانز كافكا) حتي يتمكن من الغوص عميقاً في لجة الكوابيس و أن يدخل العالم السفلي للكائنات البشرية المسحوقة و المهمشة و المنسية و التي ترزح تحت ضغوط نفسية و لا صوت لها غير الأنين، و برغم أن عنوان مجموعته القصصية ( وليمة و حرير و عش عصافير) و هو عنوان يوحي بجماليات الدنيا و عصافيرها، إلا أن القصص جميعها تحكي عن أشياء سوداء لا حرير بينها و لا زقزقة عصافير فيها، بل هو عالم يغرق في البؤس و اليأس و اللعنات من الصعب أن تحسم أمرك بين أشواكه و مساميره و صخوره، إذ لا وقت للتأمل أو ركوب طوق النجاة في زحمة القهر الذي يطارد أبطاله في كل جزء من المكان الذي هو فيه. هناك مرارة علي طول الخط ، لا مكان للسعادة في عالم تيسير نظمي، العالم مزحوم بالأخطاء و ليس من ثغرة نحو النور، يأس مطبق و خوف عارم مثل أمواج غاضبة تلتهم كل شيء في طريقها، و الإنسان في قصصه مأخوذ و مجذوب و غير مرغوب فيه، و البطل في هذه القصص دون أية بطولة ، ممسوخ ، مرعوب ، مطارد ، يكاد من ثقل همومه أن يسقط أرضاً حتي تكاد( أنت القارئ) أن تسأل نفسك: من أين يأتي هذا الرعب الذي يمسك برقاب شخوصه؟ أين تحيا تلك الكائنات و علي أي أمل تعيش؟ يقول خليل السواحري: " عوالم هذه القصص تشبه إلي حد كبير عوالم كافكا ، حيث يتحول المعقول إلي لا معقول و تغدو اللحظة النفسية عبئاً كبيراً علي من يعيها."

في قصة " الأسم الأول له.... الاسم الثاني له" بطل الحكاية يبحث عن صديق قديم ، هو البحث عما بقي في الدنيا من ذكريات جميلة، لكن بحثه يطول في الشوارع و يمتد في الأزقة حتي يصل عمارة من أربعة طوابق، اسم صديقه محمود أبو الليل ( صديق الأيام العصيبة) الذي يستجير به و لا يرّد له أيما طلب، أو هكذا كان كما يتذكره الآن، و بعد عناء و استغراب تفتح الباب زوجة صديقه الأثير، لكنها تقول: ( لا نعرف شخصاً بهذا الاسم) و هو علي يقين أن هذا البيت هو بيت صاحبه القديم صديق أيامه الصعبة، بل يسمع صوته من وراء الباب و هو يسأل عمن جاء يطرق الباب! ليس من حنين و لا ذكريات و لا ذاكرة، العالم أصابه عطب في الصميم، علماً أن اختياره اسم بطل القصة ( أبو غضب) جاء طريفاً و علي مقاس اللوعة. في ( أيام المستنقع) يقع الكاتب في مطب القصة- القصيدة، حيث القافية و الوزن أحياناً يطغيان علي سياق الموضوع، خذ مثلاً قوله:
- كل ما هو في البلدان من غدر الخلان
و حتي الحوار يقع في المطب نفسه إذا ما سمعنا صوت الضابط علي الصفحة 8 و هو يصرخ بالموقوف: انزع حزامك و اعطني ربطة عنقك و فتش بنفسك هندامك، ودّع أحبابك و كل خلانك، لسانك هو حصانك، و عليك أن تفكر من صانك و من خانك، هيا أمامي، فلا تظن أنني سأمشي طوال الطريق قدّامك. هذه الطريقة في الكتابة، كما نعلم، فات زمانها، و قد كانت سائدة في الخمسينات و ما قبلها يلتذ كتّابنا بالسجع و الطباق و بقية فنون اللغة و يشعر البعض منهم بالإطراء إذا قيل بأن أسلوبه شاعري، مع أن لغة القصة تختلف تماماً عن لغة الشعر.
لاحظ معي عناوين قصصه، و بعضها أطول مما يجب، فهذه قصة ( النمور في اليوم الـ23 تشرب ماء العدس) و هي تعتمد علي قصائد محمود درويش و سميح القاسم و أحمد دحبور، مع أن ( الطبخة تفسد كلما أكثرنا من طباخيها) كما يقول هو نفسه في أول السطور، كما أنه جاء علي ذكر أرسطو و زكريا تامر و الأوديسة مع منتخبات من أقوال مأثورة، ثم إشارة صريحة إلي أدونيس في قصيدته ( مفرد بصيغة الجمع) إلي جانب الضجر و اليأس و الإضراب عن الطعام و ( الثورات التي يفكر بها دهاة القوم و ينفذها الشجعان و يستفيد منها الانتهازيون) و حذار من جوعي و من غضبي كما يكرر محمود درويش طبعاً. أما في قصة ( آخر النمور) فيستمر مع إحساسه بسقوط الحياة و يري في الإنسان قوة مسلوبة، مع إحباط بلا حدود، و كل صحراء يمشيها وراءها صحراء خلف صحراء و ما وراء الصحراء سراب من الجهات كلها، لكنه يرجع إلي الشعر و السجع مرة ثانية ليقول علي الصفحة31: " و كان واحداً وأحد، لم ير في زماننا له أماً و لا ولد، و كان نمراً و كان البلد، أسلمني روحه و أناخ الجسد." كما يستجير بالقرن التاسع الميلادي فيختار كلاماً قاله علي بن محمد شعراً:
سلام عليك يا خير منزل
خرجنا و خلفناه غير ذميم
فان تكن الأيام أحدثن فرقة
فمن ذا الذي من ريبهن سليم
تشعر أن تيسير نظمي يريد أن يسكب معلوماته و قراءته في كل قصة يكتبها، مع أن القصة القصيرة ( حصرياً ) لا شأن لها بالمعلومات أو قراءات مبدعها، و قد يتحقق ذلك في الرواية نوعاً ما.

في قصة ( البحر لا ينام في غرفته أحياناً ) حديث شّيق عن البحر، فهنا بحر ميت و هناك بحر متمرد و بحر ضائع بين الصخور و بحر هائج، ثم ينتقل من البحر إلي برج ( ايفل) الذي تري من أعلاه كل شيء إلاّ بلاد ( الجزائر) التي احتلتها فرنسا في زمن غابر، البحر يعوي، البحر ينوح علي سمكة مقتولة، و لهذا تراه يجرف و يكنس الجرائد و المجلات و البيانات الحكومية، البحر هنا بطل القصة، و هي قصة تشهق بالجزع و الخراب و الحسرة علي حفنة من الخسائر التي تراها البحار و لا يراها البشر، تري هل أراد أن يقول كلاما كهذا؟ ذلك أن إرادة البحر فوق كل الحيتان و أسماك القرش و الغواصات النووية، و أكبر من تلوث المدن و أوساخ العواصم، لا تعلوه سوي نوارس الحياة السابحة في فضاء الحرية و الباحثة عن الحياة في الحياة ذاتها، صفحة 17. يقول إن البحر الأبيض هائج، و بحر يافا متمرد، و بحر حيفا ممتد حتي الكرمل، و بحر غزة ضائع في المخيمات ، و بحر القدس يفتش بين الصخور عن بقايا معابد و كهنة تائهين، و للبحر بحر يؤويه...و لا يمكن طبعاً ( حبس ) البحر في زنزانة! و من قصصه المتميزة ( بيت الفراشة) عن بيت يسكنه رجل أعزب تدخله فراشة، البيت محض فوضي عارمة، منافض سجائر مطفأة، كتب غارقة بالغبار، قنينة عطر فارغة من المعني، قداحة فارغة من الغاز، مروحة معطوبة، موسيقي عالقة مثل العليق، إلي جانب صور معلقة علي الجدران لا يراها أحد، وروزمانة لأيام ميتة، و الفراشة لا تعلم أي شيء عن المحاكم و القضاة و فواتير الكهرباء و الماء و التلفون، فكيف و لماذا دخلت بيتاً كهذا و هي التي تبحث عادة عن الضوء و النور و النار و كل ما يلمع تحت عينيها؟ تلك كانت إشارة علي نقاء هذا الرجل الوحيد المعزول عن متع الدنيا، فقد رأت الفراشة ما في داخل هذا الإنسان و لم تعبأ بالغبار و الدخان و السواد و بقية الخرائب الصغيرة التي يزدحم بها البيت.
يقول الناشر عن قصص هذه المجموعة: " إنها تضعك في التفاصيل المرّوعة التي نمر بها جميعاً دون أن نلتقطها أو نلتفت إليها، و تلك هي مهمة القاص المبدع الذي تتحول اللحظة علي يديه إلي سرد قصصي مدهش، مفعم بالغرابة في سياق لغوي طازج."

تيسير نظمي نشر أول قصة له عام 1972 لكنه علي ما يبدو لم يلتفت إلي نفسه و قصصه، و كان عليه أن يكتب أكثر حتي يأخذ حصته و نصيبه من هذا الفن الصعب، لكن كتاباته في السياسة أخذت الكثير من جرف القصة القصيرة، و يكفي أن نذكر بعض أساتذته حتي نعرف علي يد من تتلمذ تيسير، فهذا علي الراعي، و طه محمود طه، و سليمان الشطي و غيرهم، مما يشير إلي نوع قراءته و اهتماماته في ظل أسماء معروفة تعّلم منها الكثير، و يضاف إليهم الروائي إسماعيل فهد إسماعيل. كما انه نشر مبكراً في مجلة ( الآداب) البيروتية و ( أفكار) الأردنية، و كذلك في مجلة ( الكرمل) و (كتابات) و ( عمان) وغيرها. يقول عنه وليد أبو بكر: " إنه أحد الكتاب المهمين علي المستوي العربي الذين لم يحظوا بشهرة يستحقونها و ذلك لأسباب سياسية."

قصة ( سيدة الكون) تقترب من الخيال العلمي أو الفانتازيا، حيث يشاهد بطلها العالم كله و هو جالس في غرفته، يري عن طريق كاميرا تعمل بالطاقة النووية أزقة نيويورك حيث الجياع يقتاتون طعامهم من القمامة، كما يري ما يحدث في إحدي الشقق من أفعال مشينة ( غير مسموح بها) بل تصل به الكاميرا النووية إلي داخل السجون و المعتقلات العربية، أما أغرب ما رآه فهو اختفاء كوكب الأرض تماماً ، و لا أحد يدري طبعاً أين كان يجلس بطل القصة و في أية مجرة يعيش، المهم هو أنه لم يقل في نهاية القصة( إنه كان يحلم) كما يفعل بقية القصاصين أمام أمر غريب غير معقول كهذا. أما القصة التي أخذت عنوان الكتاب، فهي تحكي عن الدود الذي ينتظر جثة البطل حتي تبدأ الوليمة، دود تحت الأرض، و دود فوق الأرض، عن الحياة التي نهايتها الموت حتماً، يعني بذلك أن نهايتها وليمة كبري للدود و هو يدخل الجلد و المسامات حتي ينتهي كل شيء، و لا ينسي الكاتب هذه المرة أيضاً أن يذكر أرنست همنغواي و ناظم حكمت. لكنه في قصة ( أصابع منتصف الليل) يكتب لنا قصة فكهة طريفة عن رجل علي علاقة بامرأة تتصل به تليفونياً علي أنها من شركة التأمين لئلا تشك به زوجته، لكنه بعد إصابته و بتر أصابعه ( في المنجرة ) حيث كان يعمل، ينسي عنوان عشيقته، كما أنه لا يستطيع تدوير قرص الهاتف، و في الوقت نفسه لا يمكنه أن يسأل زوجته عن رقم تليفون شركة التأمين ( المتفق عليه بينه و بين عشيقته) و فوق ذلك كله كان قد تهيأ للذهاب إليها و لم يخطر علي باله أنه ( سوف ينسي كل شيء دفعة واحدة) و هي قصة تختلف عن تلك القصص السوداوية التي شملت كتابه القصصي الصغير (74 صفحة فقط). و تبقي قصة ( شعرها طويل حتي الفجر) و هي انثيالات حارقة عن حب جارف، تقترب فيه القصة من أدب الرسائل ( شعري يهفهف بالكلام) و أحزان كثيفة موجعة و مناجاة ملتهبة( لا تعش أبد الدهر حزيناً مثل عراقي)... مع كومة إرتعاشات و آهات و نجوي و حب و سلوي و أصابع تلعب في ظلام فارغ، حيث لا أحد هناك في الجانب الثاني، و قد رأيت أن أغلب أبطال تيسير نظمي يدخنون، يبدو من الصعب أن يكتب قصة لا يدخن فيها أبطاله، أنظر ما يقوله علي الصفحات19 ، 23، 38، 47:
- متحرق لسيجارة.
- بحاجة للتدخين و النقود.
- الركن المسود عند السقف لإفراطه في التدخين.
- منافض لسجائر مطفأة.
- و هو الآن هادئ مسترخ يدخن سيجارته.
لكنه من وراء الدخان الذي أفرط فيه، كتب القصة القصيرة التي يريدها، و نام ملء جفونه عن شواردها، و ربما يسهر بعد ذلك من يسأل عن شروطها و يحتكم إلي معناها كما يقول المتنبي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
وليمة و حرير و عش عصافير. قصص قصيرة . تيسير نظمي . دار الكرمل للنشر والتوزيع . عمان . الأردن . عام 2004

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2080 --- Date 9 / 4 /2005

جريدة (الزمان) --- العدد 2080 --- التاريخ 9 / 4 /2005

AZP09
STNA

Editor in Chief   Saad Albazzaz
تصويت
ما الذي سيحصل في العراق اذا طبق قانون الاقاليم؟
استقرار العراق
انتهاء العنف
تفتت العراق
انهيار الامن



   مقال فاتح عبد السلام 

Alefyaa
Alsharqiya TV
alsharqiya.com
International Edition الطبعة الدولية
Iraqi Edition طبعة العراق